منتدي تعليمي - اجتماعي - ثقافي للمدرس $ الطالب $ ولي الأمر


    أثر معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الدين الإسلامي د. يحيى بن عبد الله البكري أستاذ الحديث وعلومه المساعد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 68
    تاريخ التسجيل : 06/02/2011

    أثر معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الدين الإسلامي د. يحيى بن عبد الله البكري أستاذ الحديث وعلومه المساعد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 08, 2012 2:39 pm

    أثر معاملة الرسول  في نشر الدين الإسلامي د. يحيى بن عبد الله البكري أستاذ الحديث وعلومه المساعد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية

    مقدمة
    إنَّ التعمُّق في دراسة السِّيرة النبوية من خلال نصوص السُّنة ، وإبراز جوانب شخصية النبي  الإنسانية ، والاستفادة من مواطن العبر والدُّروس فيها ، حري أن يحيي في الأمَّة روح العزَّة والسُّؤدد ، ويُصلح ما فسد من أخلاقها وآدابها ، بسبب الزحف الحضاري للأمم المختلفة التي سيطرت بقوتها وثقافاتها وإعلامها على وسائل التوجيه والتربية في شتى المجالات .
    وواسطة العقد في السيرة النبوية الشَّريفة يكمن في شخصية النبي الفذَّة التي أسرت الألباب ؛ بما أوتي من جمال الصُّورة ، وتمام الخلقة ، وحُسن الهيئة ، وما جُبل عليه من حسن الخلق ، والرِّفق في المعاملة ، والعدل في الغضب والرِّضا ، والحلم والأناة ، وكل هذا أثر أثرًا بالغًا في إقبال الناس على دعوته ، والسَّماع له ، ولا غرو فقد زكَّاه الله  من فوق سبع سماوات ، فقال :  وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( ) .
    وهذا البحث على قصره يُلقي الضوء على حسن معاملته  للنَّاس على اختلاف دياناتهم ، وما أوتيه من أخلاق شريفة ، وأثر ذلك في نشر دين الإسلام ، لنرد بهذا على ما يروج في هذه الأيام في مجتمعات الغرب من أن ديننا الإسلامي دين الهمجية والإرهاب ، وأنه لم يبن على أساس أخلاقي في دعوة الناس إليه .


    ويبين من وجه آخر الصورة المشرقة لدعوة النبي  ، التي شوهت بسبب تصرفات كثير من أبناء المسلمين اليوم ، لدى كثير ممن لا يعرف الإسلام على حقيقته .
    1 - رأفته ورحمته وشفقته :
    كان الرسول  أرأف النَّاس وأرحمهم ، قال تعالى :  فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَو كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ( ) .
    وكان لهذا الخلُق الرَّفيع أكبر الأثر في الإقبال على الدِّين الإسلامي ، وذلك أنَّه  كان بعيدًا عن أساليب العنف والشِّدة والغلظة ، فاستطاع بحسن عرضه وكمال خلقه وصدقه ، أن تتسلل دعوته إلى بيوت مكَّة شيئًا فشيئًا ، حتَّى غزت بيوت كبار كفَّار مكَّة؛ فاتَّهمه حينها كفَّار مكَّة بأنَّه ساحر : يفرق بين المرء وابنه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته( ) .
    ونلمح في سيرته الشَّريفة مواقفَ معبِّرةً ، تدلُّ على كمال شفقته ورحمته بأمته ، نجملها في الصُّور التالية :
    الصورة الأولى : شفقته ورحمته بعمه أبي طالب .
    كان عمه أبو طالب من أشدِّ مناصري دعوته ، ولأجل هذا حرص على إسلامه ، لكن سبق في علم الله أنه يموت كافرًا ؛ فعن سعيد بن المسيب ، عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفـاة جـاءه رسـول الله  ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله  : يا عم قل : لا إله إلا الله ، كلمة أشهد لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ، فلم يزل رسول الله  يعرضها عليه ، ويعيد له تلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملَّة عبد
    المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله  : (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك )) ، فأنزل الله  :  مَا كَانَ للنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَّسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ ( ) .
    وأنزل الله تعالى في عمه أبي طالب مخاطبًا رسوله الكريم  :  إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ( ) .
    ومع هذا فقد نفعته مواقفه هذه مع النبي  فقد قال العباس بن عبد المطلب  للنبي  : ما أغنيتَ عن عمِّك؟ فإنه كان يحُوطك ويغضبُ لك ، قال : (( هو في ضحضاحٍ من نار ، ولولا أنا لكان في الدَّرك الأسفل من النَّار ))( ) .
    والمعنى أنه  شفع له عند ربِّه حتَّى خفف له كما ورد في بعض الرِّوايات .
    الصورة الثانية : شفقته ورحمته بخادمه الغلام اليهودي .
    نلمح في هذا الباب هذا المثال الرائع من تواضعه  ورحمته بهذا الغلام ، ودعوته له للإسلام وشفقته عليه من أن يموت كافرًا . . فعن أنس  قال : كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبي  ، فمرض فأتاه النَّبي  يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم ، فنظر إلى أبيه ، وهو عنده ، فقال له : أطع أبا القاسم  ، فأسْلَمَ فخرج النبي  وهو يقول : (( الحمد لله الذي أنقذه من النار ))( ) . وهذا يدلُّ على رحمة النبي  ورأفته بالنَّاس على وجه العموم ، حيث استبشر بإسلام هذا الغلام . . وإن تعجب فاعجب من موقف والده هذا؟! .
    الصورة الثالثة : شفقته ورحمته بقومه قريش .
    كان  يأسى على قومه ، ويأسف أشدَّ الأسف عليهم ، قال تعالى :  عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( ) .
    وكان يخشى أن يموتوا على الكفر ، وتتجلى رأفته ورحمته في أبهى صورها في دعوته لهم ، وإصراره على إنقاذهم من النار ، مع ما جابهوه به من الأذى والاستهزاء والسُّخرية . . فعن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :  وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ( ) .
    صعد النبي  على الصَّفا ، فجعل يُنادي : (( يا بني فهر ! يا بني عدي ! )) لبطون قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الرَّجل إذا لم يستطع أن يَخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال : (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تُريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ )) قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقًا .
    قال : (( فإنِّي نذير لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ )) فقال أبو لهب : تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت :  تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَّتَبَّ ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ( ) .
    ومن مواقفه معهم ما رواه عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي  حدثته : أنها قالت لرسول الله  : يا رسول الله ! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال : (( لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ؛ إذ عرضت نفسي على عبد يا ليل بن عبد كلال ، فلم يُجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إنَّ الله  قد سمع قول قومك لك ، وما ردُّوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال : فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ ، ثم قال : يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . فقال له رسول الله  : (( بل أرجو أن يُخْرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ))( ) .
    وفي هذا الموقف الشَّريف منه  دليلٌ على فرط رحمته وشفقته بهم ، رغم الأذى الشديد الذي لقيه ، والقدرة على الانتقام .
    واستمرَّ عليه الصَّلاة والسَّلام في دعوته ولم ييأس ، صابرًا مُثابرًا ، وأحزنه عدم استجابة كثيرٍ منهم فأنزل الله عليه :  لَعَلَّكَ بَاخِع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( ) .
    قال ابن كثير : (( وهذه تسليةٌ من الله لرسوله  في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفَّار كما قال تعالى :  فَلاَ تَذهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ ( ) .
    وكقوله  فَلَعَلَّكَ بَاخِع نَّفْسَكَ عَلَى آثَرِهِم ( ) الآية .
    قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحَّاك والحسن وغيرهم :  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ  أي قاتل نفسك ، قال الشاعر :
    ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه لشيءٍ نحته عن يديه المقادر ))( ) .
    وإنَّما سلاَّه الله  بهذا ؛ لأنه كان شديد الحزن والأسف على قومه ، يحبُّ إسلامهم ، ويخشى عليهم العذاب الأليم ، وقد اقتضت حكمته - تعالى - أن يكون الإيمان مبنيًّا على الاختيار ، ولذا قال تعالى :  وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( ) .
    وهذا موقفٌ عظيمٌ منه  ؛ فمع ما ناله منهم لم ينتقم وصبر وتحمل الأذى ، في سبيل أن يسلموا . . وكان كذلك فقد دخلوا بعد فتح مكة في دين الله أفواجًا كما قال الله  :  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ ، وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ( ) .
    الصورة الرابعة : رحمته وشفقته على أمته عمومًا :
    عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي  تلا قول الله  في إبراهيم :  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ( ) .
    وقال عيسى  :  إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ( ) .
    فرفع يديه وقال : اللهُمَّ أمَّتي أمَّتي ، وبكى فقال الله  : يا جبريل اذهب إلى محمد - وربُّك أعلم - فسله ما يُبكيك ؟ فأتاه جبريل  ، فسأله فأخبره رسول الله  بما قال - وهو أعلم - فقال الله : يا جبريلُ اذهب إلى محمد فقل : إنَّا سنُرضيكَ في أمَّتك ولا نسُوءك( ) . ويؤيِّده قوله تعالى :  وَلَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ( ) .
    ولعلَّ من أبلغ مظاهر شفقته ورحمته  بأمته موقفه في عرصات القيامة ، في يوم يشيب لهوله الولدان ، عندما يشفع الشفاعة العُظمى ، كما في حديث أنس بن مالك الطويل وفيه : (( فأنطلقُ فأستأذنُ على ربِّي فيُؤذن لي ، فأقومُ بين يديه ، فأحمدُهُ بمحامِدَ لا أقدر عليه الآن ، يُلهمُنيه اللهُ ، ثمَّ أخِرُّ له ساجدًا ، فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يُسمع لك وسل تُعطه ،
    يكون الإيمان مبنيًّا على الاختيار ، ولذا قال تعالى :  وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( ) .
    وهذا موقفٌ عظيمٌ منه  ؛ فمع ما ناله منهم لم ينتقم وصبر وتحمل الأذى ، في سبيل أن يسلموا . . وكان كذلك فقد دخلوا بعد فتح مكة في دين الله أفواجًا كما قال الله  :  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ ، وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ( ) .
    ا قال مجاهد في قوله تعالى :  ورفعنا لك ذكرك ( ) : لا أذكر إلا ذُكرت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله( ) . وسنده صحيح .
    وقد كان ابن عباس يحدث : أن الله - تبارك وتعالى - أرسل إلى نبيه  ملكًا من الملائكة ومعه جبريل ، فقال الملك : إنَّ الله يُخيِّرُكَ بين أن تكون عبدًا نبيًّا ، وبين أن تكون ملكًا ، فالتفت رسول الله  إلى جبريل : كالمستشير ، فأشار جبريل بيده : أن تواضع ، فقال رسول الله  : (( بل أكونُ عبدًا نبيًّا )) .
    قال : فما أكل بعد تلك الكلمة طعامًا مُتكئًا( ) . ويمكن أن نضرب أمثلةً على تواضعه في عدة صور :
    الصورة الأولى : من مظاهر تواضعه في دعوته  :
    كان  يدعو في مكة إلى الإسلام ، وكان أكثر من استجاب له ضعفة ومساكين مكَّة ، والسبب في ذلك لين جانبه لهم ورفقه بهم ، وتعليمهم ، حتى وقر الإيمان في قلوبهم . . وهكذا هم أتباع الأنبياء . ، وقد أمره الله بالجلوس معهم ، وامتدحهم بقوله :  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ( ) .
    عن سعد قال كنا مع النبي  ستة نفر فقال المشركون للنبي  : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا ، قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما ، فوقع في نفس رسول الله  ما شاء الله أن يقع ، فحدَّث نفسه

    فأنزل الله  :  وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ( ) .
    وكان مرَّة مشغولاً بأحد عظماء قريش يدعوه إلى الإسلام ، وجاءه ابن أم مكتوم الأعمى ، فأعرض عنه وأقبل على هذا السَّيد فعاتبه الله فيه( ) .
    هكذا أدَّبه ربه فأحسن تأديبه ، فتواضع  للنَّاس فأقبلوا على دعوته وآمنوا به ، وصدَّقوه وعزَّروه ، ونصروه ، حتَّى كان الإسلام في سنوات معدودة مسيطرًا على جلِّ جزيرة العرب سلمًا ، ثم تمدد في عهد الخلفاء الراشدين خارج الجزيرة العربية ، ففي بضع سنين دخل إلى الشام والعراق ومصر وكانت حواضر الدنيا في ذلك العصر .
    الصورة الثانية : عدم تميزه على أصحابه :
    من مظاهر تواضعه  أنه لم يكن يتميز على أصحابه بملبس ، ولا مجلس ، ولا غير ذلك ، وكان الغريب إذا أتاه لا يعرفه من بين أصحابه ، فهذا ضمام بن ثعلبة دخل على جمله فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لمن كان في المسجد : أيكم محمد والنبي  متكئ بين ظهرانيهم . فقالوا : هذا الرجل الأبيض المتكئ( ) .
    ويبدو أنَّ هذا تكرَّر دائمًا ، فرأى الصحابة أن يُظهروا مكانه  ؛ حتى يُعرف ، لئلا يحوجوا كلَّ من لا يعرفه للسؤال عنه  ، فعن أبي ذر وأبي هريرة قالا : كان رسول الله  يجلس بين ظهري أصحابه ، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى رسول الله  أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه ، قال : فبنينا له دُكَّانًا من طين ، فجلس عليه ، وكُنَّا نجلس بجنبتيه( ) .
    ولم يكن شخصٌ أحبَّ إليهم رؤيةً منه  ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لِما يعلمون من كراهيته لذلك( ) .
    الصورة الثالثة : جلوسه مع الأرملة والمسكين والصغير :
    كان الرسول  يمشي في حاجاتهم ويُساعدهم ، فعن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : كان النبي  لا يأنف ، ولا يستنكِف أن يمشي مع الأرملة والمسكين ، فيقضي لهُما حاجتَهُما( ) .
    وهو بهذا يضرب لأمَّته أروع الأمثلة في التواضُع ولين الجانب ، فهو يقول  مُرشدًا ومُعلِّمًا : (( ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ))( ) .
    وهذا أنس يُخبر : أنَّ امرأةً كان في عقلها شيءٌ ، فقالت : يا رسول الله ! إنَّ لي إليك حاجة ؟ فقال : يا أم فلان ! انظُري أي السِّكك شئت ، حتى أقضي لك حاجتك ، فخلا معها في بعض الطُّرق ، حتى فرغت من حاجتها( ) .
    الصورة الخامسة : خدمته لأهله في بيته :
    كان  في بيته بشرًا كغيره ، يقوم على حاجات نفسه ، وربما ساعد أهله في شؤونهم ، وهو في هذا يضرب المثل والقدوة للناس بفعله . . بقوله (( خيرُكُم خيرُكُم لأهله وأنا خيركُم لأهلي ))( ) .
    قال الأسود : سألت عائشة : ما كان النبي  يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصَّلاةُ ، خرج إلى الصَّلاة( ) .
    وفي رواية قالت : كان رسول الله  يخصِفُ نعله ، ويَخيطُ ثوبه ، ويعملُ في بيته كما يعمل أحدكم في بيته( ) .
    وفي رواية عنها : ما كان إلا بشرًا من البشر : كان يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه( ) .
    3 - كرمه وسخاؤه وجوده :
    كان جوده  مضرب المثل ؛ فلم يعرف العرب في تاريخهم رجلاً أكرم منه عليه الصَّلاة والسَّلام ؛ إذ كان يؤثر على نفسه ، ولا يلتفت إلى الدنيا ، وهذا غاية الكرم والسخاء ، فعن ابن عباس قال : كان رسول الله  أجودَ النَّاسِ ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حين يلقاهُ جبريلُ ، وكان يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ فيُدارسُهُ القُرآنَ ، فلَرسُولُ الله  أجودُ بالخير من الرِّيح الْمُرسلةِ( ) .
    وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله  يقبلُ الهديَّة ويُثِيبُ عليها( ) .
    وعن جابر بن عبد الله قال : ما سُئل رسول الله  شيئًا قطُّ فقال : لا( ) .
    ولكرمه وجوده مظاهر كثيرة نختار منها الصور التالية :
    الصورة الأولى : موقفه مع رجل حديث عهد بالإسلام :
    عن أنس قال : ما سئل رسول الله  على الإسلام شيئًا إلاَّ أعطاهُ ، قال : فجاءهُ رجلٌ فأعطاهُ غنمًا بين جبلين ، فرجعَ إلى قومه ، فقال : يا قومِ ! أسْلمُوا ؛ فإنَّ محمدًا يُعطي عطاءً ، لا يَخْشَى الفَاقَةَ( ) .
    وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك أن رجلاً سأل النبي  غنمًا بين جبلين ، فأعطاهُ إيَّاه فأتى قومه ، فقال : أي قوم ! أسلِمُوا فواللهِ إنَّ محمدًا ليُعطي عطاءً ما يخافُ الفقْرَ .
    فقال أنس : إن كان الرجلُ ليُسلِمُ ما يُرِيدُ إلا الدُّنيا ، فما يُسلِمُ حتَّى يكُونَ الإسْلامُ أحبَّ إليه من الدُّنيا وما عَلَيهَا( ) .
    الصورة الثانية : قصة إسلام صفوان بن أمية :
    كان صفوان بن أمية من سادات قريش ، ولما فتح رسول الله  مكة فرَّ خوفًا منه ، فأرسل في ردِّه وأمَّنه ، فعن مالك ، عن ابن شهاب : أنه بلغه أنَّ نساءً كُنَّ في عهد رسول الله  يُسلِمن بأرضِهنَّ وهُنَّ غير مُهاجراتٍ ، وأزواجهن حين أسلمن كفَّارٌ ، منهنَّ بنت الوليد بن المغيرة ، وكانت تحت صفوان بن أمية ، فأسلمت يوم الفتح ، وهرب زوجُها صفوان بن أمية من الإسلام ، فبعث إليه رسول الله  ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله  أمانًا لصفوان بن أمية ، ودعاه رسول الله  إلى الإسلام ، وأن يقدِمَ عليه ، فإن رضيَ أمرًا قبله ، وإلا سيَّره شهرين ، فلمَّا قدم صفوان على رسول الله  بردائه ، ناداه على رؤوس النَّاس ، فقال : يا محمد ! إنَّ هذا وهب بن عمير جاءني بردائك ، وزعم أنَّك دعوتني إلى القدوم عليك ، فإن رضيت أمرًا قبلته ، وإلا سيَّرتني شهرين ، فقال رسول الله  : (( انزل أبا وهب ! )) فقال : لا والله لا أنزل حتَّى تُبيِّن لي ، فقال رسول الله  : (( بل لك تسير أربعة أشهر )) فخرج رسول الله  قِبَل هوازن بحُنين ، فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيرهُ أداةً وسلاحًا عنده ، فقال صفوان : أطوعًا أم كرهًا ، فقال : (( بل طوعًا )) فأعاره الأداة والسِّلاح التي عنده ، ثم خرج صفوان مع رسول الله  ، وهو كافرٌ فشهد حُنينًا والطَّائف ، وهو كافرٌ( ) .
    وروى مسلم( ) : عن ابن شهاب ، قال : غزا رسول الله  غزوةَ الفتح فتح مكَّة ، ثمَّ خرج رسول الله  بمن معه من المسلمين ، فاقتتلُوا بحنين ، فنصر اللهُ دينَهُ والمسلمينَ ، وأعطى رسول الله  يومئذٍ صفوان بن أميَّة مئةً من النَّعم ، ثم مئةً ، ثم مئةً .
    قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب : أنَّ صفوان قال : والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لأبغضُ النَّاس إلَيَّ فما بَرِحَ يُعطيني حتى إنَّه لأحبُّ النَّاس إلَيَّ .
    وهذا الموقف الكريم منه عليه الصَّلاة والسَّلام ، كان سببًا في إسلام صفوان وإنقاذه من النَّار .
    الصورة الثالثة : موقفه من غنائم حنين :
    هزم الله هوازن وثقيف في غزوة حُنين ، وبلغت غنائم حنين مبلغًا عظيمًا : ستة آلاف من السبي ، ومن الإبل أربعة وعشرين ألف بعير ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ، فاستأنى رسول الله  بالسبي أن يقدم عليه وفدهم( ) .
    وفي هذا دليلٌ على أنه  كان يحبُّ إسلامهم ، حيث لم يبادر بقسمة الغنائم ، ثم إنه بعد ذلك بدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس : فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومئة من الإبل ، قال : ابني يزيد ، قال : أعطوه أربعين أوقية ومئة من الإبل ، قال : ابني معاوية ، قال : أعطوه أربعين أوقية ومئة من الإبل ، فأعطاه إياها . وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل ، ثم سأله مئةً أخرى ، فأعطاه إياها . وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مئة من الإبل . وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مئة من الإبل . وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيرًا . وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرًا . وأعطى الحارث بن هشام مئة من الإبل . وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل . وأعطى صفوان بن أمية مئة من الإبل . وأعطى قيس بن عدي مئة من الإبل . وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل . وأعطى سهيل بن عمرو مئةً من الإبل . وأعطى حويطب بن عبد العزى مئةً من الإبل . وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل . وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مئةً من الإبل . وأعطى عيينة بن حصن مئةً من الإبل . وأعطى مالك بن عوف مئةً من الإبل . وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل .
    فقال في ذلك شعرًا ، فأعطاه مئةً من الإبل ، ويقال : خمسين ، وأعطى ذلك كله من الخمس( ) .
    قلت : قصة عباس بن مرداس في مسلم( ) . . عن رافع بن خَديج ، قال : أعطى رسول الله  أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مئة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك ، فقال عباس بن مرداس :
    أتجعـل نهبي ونهب العبيـد
    فمـا كان بـدر ولا حابس
    وما كنت دون امرئ منهما
    بين عيينـــة والأقــرع
    يفوقان مرداس في المجمــع
    ومن تخفض اليوم لا يرفـع

    قال : فأتم له رسول الله  مئة .
    والحكمة في إعطائه لهؤلاء الزعماء ظاهرة في قوله  للأنصار - عندما عتبوا عليه  أنه لقي قومه فأعطاهم وترك الأنصار - : فإنِّي أعطي رجالاً حديثي عهد بكُفرٍ أتألَّفُهم ، أفلا ترضون أن يذهب النَّاس بالأموال ، وترجعون إلى رحالكم برسول الله ؟!! فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبُون به : فقالوا : بلى يا رسول الله قد رضينا( ) .
    ثم لم يلبث  أن قدم عليه وفد هوازن مُسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله  : (( أحبُّ الحديث إلي أصدقُهُ ، فاختاروا إحدى الطَّائفتين : إما السَّبيُ ، وإمَّا المال ، وقد كنت استأنيت بهم )) .
    وقد كان رسول الله  انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلمَّا تبين لهم أن رسول الله  غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطَّائفتين ، قالوا : فإنَّا نختارُ سبينا ، فسأل النَّاس أن يعيدوا لهم سبيهم فأعادوه( ) .
    وهكذا ظهرت حكمته  في تقسيم هذه المغانم ؛ إذ أصبح هؤلاء المؤلفة قلوبهم من قادة جيوش المسلمين في الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر وعمر ، فمن ينسى مواقف عكرمة وصفوان وأبي سفيان بن حرب ، وابنه يزيد بن أبي سفيان ، في معارك اليرموك وفتوحات الشام .
    الصورة الرابعة : موقفه من الأعراب حديثي الإسلام :
    روى جابر بن عبد الله  قال : أتى رجل رسول الله  بالجعرانة منصرفه من حنين ، وفي ثوب بلال فضة ، ورسول الله  يقبض منها يُعطي الناس ، فقال : يا محمد ! اعدل ، قال : (( ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل )) . فقال عمر بن الخطاب  : دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق ، فقال : (( معاذ الله أن يتحدث الناس أنِّي أقتل أصحابي ))( ) .
    وضايقه الأعراب و ازدحموا عليه وهو يقسم الغنائم ، وألحُّوا عليه في ذلك ، حتى اضطرُّوه إلى سَمُرة فخطفت رداءه ، فوقف رسول الله  ، فقال : (( أعطُوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاه نعَمًا لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوبًا ولا جبانًا ))( ) .
    وروى أنس بن مالك  ، قال : كنت أمشي مع رسول الله  وعليه رداءٌ نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابيٌّ فجبذه بردائه جبذة شديدة ، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله  وقد أثَّرت بها حاشية الرداء؛ من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد ! مُر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله  فضحك ، ثمَّ أمر له بعطاء( ) .
    الصورة الخامسة : موقفه من الرجل الذي سأله البردة :
    عن سهل بن سعد  قال جاءت امرأة ببُردة - قال : أتدرون ما البردة ، فقيل له : نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها - قالت : يا رسول الله ! إني نسجتُ هذه بيدي أكسوكها ، فأخذها النبي  مُحتاجًا إليها ، فخرج إلينا وإنَّها إزاره ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله ! اكسنيها ، فقال : (( نعم )) ، فجلس النبي  في المجلس ، ثم رجع فطواها ، ثم أرسل بها إليه ، فقال له القوم : ما أحسنت سألتها إياه ، لقد علمت أنَّه لا يردُّ سائلاً ، فقال الرجل : والله ما سألتُه إلا لتكون كفني يوم أموت . قال سهل : فكانت كفنه( ) .
    1 - شجاعته وقوة بأسه :
    الشجاعة من الأخلاق الفاضلة ، والخلال الشريفة التي تميز بها النبي  ، وهي من لوازم القيادة ، ولا أدلَّ على ذلك من تكليف الله  له بالقتال لوحده ، وتحريض المؤمنين فحسب  فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ( ) .
    وقد شهد له علي بالشجاعة ، فقال : كنَّا إذا حمي البأس ولقي القومُ القومَ اتَّقينا برسول الله  ، فلا يكون أحد منَّا أدنى إلى القوم منه( ) .
    ونكتفي بذكر بعض مظاهر شجاعته ، من خلال الصور التالية :
    الصورة الأولى : موقفه من كفار قريش عندما آذوه :
    عن عروة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قلت ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله  فيما كانت تظهر من عداوته ؟ قال : قد حضرتهم ، وقد اجتمع أشرافهم في الحِجر ، فذكروا رسول الله  ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطُّ !سفَّه أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا ، فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله  ، فأقبل يمشي حتَّى استلم الرُّكن ، فمرَّ بهم طائفًا بالبيت ، فلمَّا أن مرَّ بهم غمزوه ببعض القول ، قال : وعرفت ذلك في وجهه ، ثمَّ مضى  ، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى  ، ومرَّ بهم الثالثة غمزوه بمثلها ، ثم قال : (( أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفس محمدٍ بيده لقد جئتكم بالذبح )) ، قال : فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلاَّ لكأنَّما على رأسه طائر واقع ، حتَّى إنَّ أشدَّهم فيه وطأة قبل ذلك يتوقَّاه بأحسن ما يجيب من القول ، حتَّى إنَّه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، انصرف راشدًا ، فوالله ما كنت جهُولاً ، فانصرف رسول الله  ، حتَّى إذا كان من الغداجتمعوا في الحِجر ، وأنا معهم فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه حتَّى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ، وبينا هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله  ، فوثبوا إليه وثبة رجُلٍ واحدٍ ، وأحاطوا به يقولون له : أنت الذي تقول كذا وكذا ، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم ، قال : (( نعم أنا الذي أقول ذلك )) ، قال : فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه ، وقال : وقام أبو بكر الصديق  دونه ، يقول : وهو يبكي أتقتلون رجلاً أن يقول : ربي الله ، ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأشد ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطُّ( ) .
    وهذا الموقف ينبئ عن شجاعته  ، ووقوفه في وجه قريشٍ كافَّة ، وتحمُّله الأذى في سبيل إيصال دعوته .
    الصورة الثانية : موقفه عند سماع صوت بالمدينة :
    عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله  أشجع النَّاس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة ، فانطلق ناسٌ قِبَل الصَّوت ، فتلقَّاهم رسول الله  راجعًا ، وقد سبقهم إلى الصَّوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ، في عنقه السَّيف ، وهو يقول : (( لم تُراعوا ! لم تُراعوا ! )) . قال : (( وجدناه بحرًا - أو إنَّه لبحر - )) ، قال : وكان فرسًا يبطَّأ( ) .
    الصورة الثالثة : موقفه في غزوة أحد :
    أصيب رسُول الله  في هذه الغزوة عدَّة إصابات ، وقتل بين يديه جماعة من الأنصار ، ومع ذلك لم يتزحزح عليه الصَّلاة والسَّلام من موقفه ، فعن أنس بن مالك  أن رسول الله  أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، فلمَّا رهقوه قال : (( من يردُّهم عنَّا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة )) فتقدم رجل من الأنصار ، فقاتل حتَّى قُتل ، ثمَّ رهقوه أيضًا ، فقال : (( من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة )) فتقدَّم رجلٌ من الأنصار ، فقاتل حتَّى قتل ، فلم يزل كذلك حتَّى قُتل السَّبعة ، فقال رسول الله  : لصاحبيه ما أنصفنا أصحابنا ( ) .
    وعن سهل بن سعد  ، وهو يُسْأَل عن جرح رسول الله  ، فقال : أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله  ، ومن كان يسكُب الماء ، وبما دووي ، قال : كانت فاطمة - عليها السلام - بنت رسول الله  تغسله ، وعلي بن أبي طالب يسكُب الماء بالمجنَّ ، فلما رأت فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير ، فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم ، وكسرت رباعيته يومئذٍ ، وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه( ) .
    الصورة الرابعة : موقفه في غزوة حنين :
    عن العباس بن عبد المطلب  ، قال : شهدت مع رسول الله  يوم حنين ، فلقد رأيت رسول الله  وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فلزمنا رسول الله  فلم نفارقه ، وهو على بغلة شهباء ، وربما قال : بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، فلمَّا التقى المسلمون والكفَّار ، ولى المسلمون مُدبرين ، وطفق رسول الله  يركضُ على بغلته قبل الكفار ، قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله  أكفَّها ، وهو لا يألُو يُسرع نحو المشركين ، وأبو سفيان بن الحارث آخذٌ بغرز رسول الله  ، فقال رسول الله  : يا عباس ! ناد يا أصحاب السَّمُرة ! وكنت رجلاً صيِّتًا ، وقلت بأعلى صوت : يا أصحاب السَّمُرة ! فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، يقولون : يا لبيك يا لبيك ! فأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار ، فنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ! ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فنادوا : يا بني الحارث بن الخزرج ! قال فنظر رسول الله  وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ثمَّ قال رسول الله  : (( هذا حين حمي الوطيس )) ، ثم أخذ رسول الله  حُصيات فرمى بهنَّ وجوه الكفَّار( ) .
    وقال رجل للبراء بن عازب - رضي الله عنهما - : أفررتم عن رسول الله  يوم حنين ؟! قال : لكنَّ رسول الله لم يفر؛ إنَّ هوازن كانوا قومًا رُماةً ، وإنَّا لما لقيناهم ، حملنا عليهم ، فانهزموا ، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسِّهام ، فأما رسول الله  فلم يفر ، فلقد رأيته وإنَّه لعلى بغلته البيضاء ، وإن أبا سفيان آخذ بلجامها ، والنبي  يقول : (( أنا النبي لا كذب ! أنا ابن عبد المطلب ))( ) .
    الصورة الخامسة : موقفه في أحد من أبي بن خلف :
    ذكر أهل السِّير أنَّ أبيَّ بن خلف كان يتوعد الرسول  بمكة بأنه سيقتله يومًا ما ، فيقول الرسول  : (( بل أنا أقتلك إن شاء الله )) .
    فلمَّا أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد ، نهض المسلمون برسول الله  نحو الشعب ، معه علي بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قحافة ، وعمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، والحارث بن الصمة ، في رهط من المسلمين ، فلمَّا أسند رسول الله  في الشعب ، أدركه أبي بن خلف ، وهو يقول : أين محمد ؟! لا نجوت إن نجا ، فقال القوم : يا رسول الله أيعطف عليه رجل منَّا ؟ قال : (( دعوه )) ، فلمَّا دنا تناول رسول الله  الحربة من الحارث بن الصمة ، قال : يقول بعض النَّاس : فيما ذُكر لي فلمَّا أخذها رسول الله  انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشَّعَراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها ، ثمَّ استقبله ، فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارًا .
    فلمَّا رجع إلى قريش ، وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير فاحتقن الدم ، قال : قتلني والله محمد ، قالوا : ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس ! قال : إنه قد كان بمكة قال لي : أنا أقتلك ، فوالله لو بصق علي لقتلني ، فمات عدو الله بسَرِف ، وهم قافلون به إلى مكة( ) .
    2 - عفوه عند المقدرة :
    العفو هو ترك المؤاخذة عند القدرة ، قال تعالى :  خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( ) .
    فامتثل عليه الصَّلاة والسَّلام لأمر ربِّه ، وهناك مواقف كثيرة في سيرته  ، نذكر منها الصور التالية :
    الصورة الأولى : موقفه من تمثيل قريش بشهداء أحد :
    عن أبي العالية ، قال : حدثني أبي بن كعب  ، قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وسبعون ، ومنهم ستة من المهاجرين ، فيهم حمزة ، فمثَّلوا بهم ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يومًا لنُربين عليهم ، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله :  وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ للصَّابِرِينَ ( ) .
    فقال رجل : لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله  : (( كفُّوا عن القوم غير أربعة ))( ) . فأخذ عليه الصَّلاة والسَّلام بمبدأ العفو ، ولم يقتصَّ من المشركين عندما انتصر عليهم ، مع أنَّ الله قد أباح لهم ذلك ، ولكن اختار عليه الصلاة والسلام الأفضل :  وَلَئِن صَبَرْتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ  .
    وعفا عن هند بنت عتبة ، وبايعته فيمن بايع من النساء ، وهي منقبة ، وقَبِل إسلامها ، مع ما صنعته بحمزة  ، وقالت : يا رسول الله ! ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلُّوا من أهل خبائك ، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزُّوا من أهل خبائك ، قال : وأيضًا والذي نفسي بيده( ) .
    الصورة الثانية : موقفه من غورث بن الحارث حين أراد قتله :
    عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : أخبره أنه غزا مع رسول الله  قِبَل نجد ، فلمَّا قفل رسول الله  قفل معه ، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه ، فنزل رسول الله  وتفرَّق النَّاس في العضاه يستظلُّون بالشَّجر ، ونزل رسول الله  تحت سَمُرة فعلَّق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة ، ثم إذا رسول الله  يدعونا فجئناه ، فإذا عنده أعرابي جالسٌ ، فقال رسول الله  : (( إنَّ هذا اخترط سيفي - وأنا نائم - فاستيقظت وهو في يده صلتًا )) فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت : (( الله ! فها هو ذا جالس )) ، ثم لم يعاقبه رسول الله ( ) .
    وهذا مصداق للعناية الإلهية له  فقد قال تعالى وجل :  وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( ) .
    ودلت هذه القصة على ثقته بربه سبحانه وتعالى وأنه يحميه كما وعده ، ثم يأتي فيها دليل على عفوه وعدم مجازاته بالسيئة .
    الصورة الثالثة : موقفه من بني المصطلق .
    بلغ النبي  أنَّ سيد بني المصطلق الحارث بن ضرار يجمعُ لحربه ، فخرج إليه في سبعمئة من المسلمين ، فأظفره الله بهم على ماء يقال له : المريسيع ، فلم يفلت منهم أحد ما بين قتيل وأسير ، واستاقوا إبلهم وأغنامهم غنائم( ) .
    عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لما أصاب رسول الله  سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث - رضي الله عنها - في سهم ثابت بن قيس بن شماس  أو لابن عمٍّ له ، قال : فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حُلوة ملاحة ، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله  تستعينُه على كتابتها قالت : فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحُجرة فكرهتها ، وعرفتُ أنَّه سيرى منها ما رأيتُ ، فقالت : يا رسول الله ! أنا جُويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار سيِّدُ قومه ، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك ، فوقعت في السَّهم لثابت أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسي ، فجئتُ رسول الله  أستعينه على كتابتي ، قال : (( فهل لك في خير من ذلك )) ، قالت : ما هو يا رسول الله ؟! قال : (( أقضي كتابتك وأتزوجك )) ، قالت : نعم ، قال : (( قد فعلت )) ، وخرج الخبر في الناس : أنَّ رسول الله  تزوَّج جُويرية بنت الحارث ، فقال الناس : أصهار رسول الله  فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق ، فلقد أعتق تزويجه إيَّاها مئة أهل بيت من بني المصطلق ، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها( ) .
    فكان هذا التصرف النبيل منه  في إكرام هذه المرأة سببًا في العفو عن قومها كلهم ، فلو أراد النبي  أن يصطفيها لحسنها ، لفعل قبل قسمة الغنائم ؛ ولكن الزواج منها كان لأمر أبعد من ذلك وأسمى ، وهو الطمع في إسلام قومها ؛ وبذلك يكثر سواد المسلمين ، ويعز الإسلام . . إنه الحكمة الدينية البعيدة ، وليست الغرض النفسي القريب( ) .
    الصورة الرابعة : موقفه من عبد الله بن أبي بن سلول :
    كان عبد الله بن أبي بن سلول مُنافقًا معلوم النفاق ، ولكنه كان من سادات الخزرج ، وله مواقف سيئة من الرسول  ، وكان يُداريه ، رغم مواقفه السيئة الكثيرة ، ففي غزوة أحد رجع بثلاثمئة من الجيش ، معترضًا على قرار القتال خارج المدينة( ) .
    وفي غزوة المريسيع ، حدثت حادثة الأفك المشهورة ، وكان له فيه أكبر الدور ذكر الله ذلك في قوله تعالى :  إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَة مِّنْكُمْ ، لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُم ، بَّل هُوَ خَير لَّكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئ مِّنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ) .
    وله موقف آخر في هذه الغزوة يرويه جابر بن عبد الله ، قال : كنَّا مع النبي  في غزاة ، فكسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ! وقال المهاجري : يا للمهاجرين ! فقال رسول الله  : (( ما بال دعوى الجاهلية )) ، قالوا : يا رسول الله ! كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال : (( دعوها فإنها منتنة )) فسمعها عبد الله بن أبي ، فقال : قد فعلوها ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلُّ ، قال : عُمر دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : (( دعه لا يتحدَّث النَّاسُ أنَّ محمدًا يقتل أصحابه ))( ) .
    وإنما أبى  أن يقتله؛ لئلا تتأثر الدعوة إلى الإسلام ، ويسبب ذلك فتنةً بين المسلمين .
    ولما بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما قاله والده ، أتى النبي  ، فقال : يا رسول الله ! إنه بلغني أنك تُريد قتل عبد الله بن أبي؛ فيما بلغك عنه ، فإن كنت لا بد فاعلاً ، فمُرني به فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ، ما كان لها من رجل أبر بوالده منِّي ، وإنِّي أخشى أن تأمر به غيري ، فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله ، فأقتل مؤمنًا بكافر ، وأدخل النار ، فقال رسول الله  : (( بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا )) .
    الصورة الخامسة : موقفه من قريش يوم الفتح :
    لما اتجه النبي  لفتح مكة أصاب قريش ما أصابها من الرعب والخوف ، فتلقاه جمع منهم بالطريق وأسلموا قبل دخوله عليهم عنوةً ، منهم : أبو سفيان بن حرب في آخرين ، ففتح الله عليه ودخل مكة من أعلاها من جهة كداء ، خاشعًا شاكرًا يقرأ سورة الفتح يرجع قراءتها وهو على راحلته( ) .
    عن أبي هريرة  أن النبي  لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام وأبا عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على الخيل ، وقال : يا أبا هريرة اهتف بالأنصار ، قال : (( اسلكوا هذا الطريق فلا يشرفنَّ لكم أحد إلا أنمتموه )) ، فنادى مناد لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله  : (( من دخل دارًا فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن )) ، وعمد صناديد قريش ، فدخلوا الكعبة ، فغص بهم ، وطاف النبي  وصلى خلف المقام ، ثم أخذ بجنبي الباب ، فخرجوا فبايعوا النبي  على الإسلام .
    وفي رواية : ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب ، فقال : ما تقولون وما تظنون ؟ قالوا : نقول : ابن أخ وابن عم حليم رحيم ، قال : وقالوا ذلك ثلاثًا ، فقال رسول الله  : « أقول كما قال يوسف :  قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَومَ ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( ) )) .
    قال : فخرجُوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام( ) .
    وفي رواية لابن إسحاق( ) ، قال : (( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ )) قالوا : خيرًا أخ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ .فقال : (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم )) . وفي رواية : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) . ولذا عرفوا في التاريخ بالطلقاء( ) .
    وهذا موقفٌ فريدٌ في التاريخ يدخل في مفاخر نبيِّنا الكريم  ، وأمَّتنا الإسلامية ؛ وبهذا فتح الدُّخول للناس في دين الله أفواجًا ، ووفدت عليه العرب فيما يُعرف بعام الوفود في السنة التاسعة من كل بلاد الجزيرة العربية ، وانتشر الدين الإسلامي في أرجائها( ) .
    3 - بره ووفاؤه بالعهود والمواثيق :
    الوفاء بالعهد من شيم الفضلاء ، وكرام النَّاس ، وقد كان  يبرُّ ويصلُ ذوي رحمه ، ويفي لهم بحقوقهم عليه . . حتى وإن كانوا مشركين ، وأخبر  أن حُسن العهد من الإيمان( ) ، ويفسر ذلك ما روت لنا أم المؤمنين عائشة من صنعه مع خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها - ، فقالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة - ولقد هَلَكَت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين - لما كنت أسمعه يذكرها ، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنَّة من قصب ، وإن كان ليذبح الشَّاةَ ثمَّ يهدي في خلتها منها( ) .
    وفي رواية : ما غرتُ على أحد من نساء النبي  ما غرتُ على خديجة ، وما رأيتها ، ولكن كان النبي  يُكثر ذكرها ، وربَّما ذبح الشَّاةَ ، ثم يُقطعها أعضاءً ثم يبعثُها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكُن في الدُّنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : (( إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ))( ) .
    وعن عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله  ، فعرف استئذان خديجة ، فارتاع لذلك فقال : (( اللهمَّ هالة )) قالت : فغرتُ ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين ، هلكت في الدَّهر ، قد أبدلك الله خيرًا منها( ) .
    وهذه المواقف تنبئ عن شخصية رسول الله  ووفائه العظيم ، لأمِّ المؤمنين خديجة التي آمنت به ، ووقفت معه تشدُّ أزره في دعوته ، وواسته بمالها ونفسها .
    ويمكن أن نلحظ بعض جوانب هذا الوفاء المؤثرة في مسيرته الدعوية للإسلام من خلال الصور التالية :
    الصورة الأولى : موقفه من قرابته المشركين .
    من أشهر مواقف بره ما حصل منه تجاه عمه أبي طالب ، إذ بقي عند رأسه وهو في النزع ، وهو يقوله له : (( يا عم ! قل : لا إله إلا الله كلمه أشهد لك بها عند الله )) . فلم يكتب الله له أن يموت على الإسلام .
    ومع هذا فقد قال : قال : (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك )) . فنُهي عن ذلك( ) .ومن ذلك موقفه من قرابته ودعوته لهم ، فعن أبي هريرة قال : لما أنزلت هذه الآية :  وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ( ) .
    دعا رسول الله  قريشًا ، فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ ، فقال : (( يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النَّار ، يا بني مرة بن كعب ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار؛ فإنِّي لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلُّها ببلالها ))( ) .
    قوله : (( سأبلها ببلالها )) : يعني أصلها بصلتها الواجبة لها .
    الصورة الثانية : موقفه من القتيلين العامريين :
    عن أنس  أن النبي  أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم النبي  بسبعين من الأنصار قال أنس كنا نسميهم القراء يحطبون بالنهار ويصلون بالليل فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم فقنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان( ) .
    وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب إخوتهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا : والله إن لهذه الطير لشأنًا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم فإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ما ترى ؟ قال : أرى أن نلحق برسول الله  فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري : لكني ما كنت أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لتخبرني عنه الرجال ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأُخِذَ عمرو بن أمية أسيرًا ، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه ، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه ، وكان للعامريين عقد مع رسول الله  وجوار ، فلم يعلم به عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين نزلا : من أنتما ؟ قالا : من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه أصاب بهما ثأره من بني عامر لما أصابوا من أصحاب رسول الله  ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله  أخبره الخبر ، فقال رسول الله  : (( لئن قتلت قتيلين لأدينهما ))( ) .
    ولم يكن معه  ما يدي به هذين القتيلن ، فذهب لبني النضير يستعينهم في ذلك ، وكان بينهم وبين المسلمين عهد ، ولكنهم أرادوا الغدر به وقتله ، فأتاه الوحي ، فانقلب إلى المدينة ، وناجزهم بعد ذلك وأجلاهم من المدينة ، ونص على هذا البخاري بقوله : باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله  إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله  . قال الزهري عن عروة : كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد( ) .
    وهذه صورة عظيمة من صور الوفاء ، حيث يُصاب رسول الله  في أصحابه ، ثم يسعى لدية قتيلين مقترضًا من يهود ، فلا يمهل ولا يعطل ولا يُرجئ ، بل يسعى ليقترض في دفع الدية ، وفاءً بما التزم - وليتصور كيف تحاك ضده وهو في أنبل طرق الوفاء ، وصدق التعاقد - ففي هذا الوقت كان اليهود يُبيتون الغدر به ، وبينه وبينهم عهد وميثاق .
    يا لله للوفاء العجيب المتسامي إلى القمة ، ولنقض العهد في أبشع صور الخسة والجبن والحقارة( ) .
    الصورة الثالثة : موقفه في صلح الحديبية :
    خرج رسول الله  إلى مكة يريد العمرة ، وذلك بعد غزوة الأحزاب ، التي أراد فيها الكفار القضاء على المسلمين ، انطلق مسالمًا لا يُريد حربًا ، معلنًا استعداده للمهادنة ، حتى كانوا ببعض الطريق ، قال النبي  (( إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين )) ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرًا لقريش ، وسار النبي  حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ، بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء . . خلأت القصواء ، فقال النبي  : (( ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمو
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 68
    تاريخ التسجيل : 06/02/2011

    موقف رسولتا الكريم من قريش يوم الفتح : درس وعبرة

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 08, 2012 2:49 pm

    موقف رسولتا الكريم من قريش يوم الفتح : درس وعبرة
    من منهجه الدعوي وحسن تعامله مع الآخرين في الأمور التالية :
    1 - ينبغي على الدعاة التأسي برسول الله  فيما لقيه من تكذيب وإيذاء ؛ لأن حكمة الله اقتضت ألا ينتصر الدِّين إلا بتقديم التضحيات الجسام .
    2 - لقد كان في حسن معاملته  للكفار ، وفرحه بإسلام من أسلم منهم ، وعفوه عما بدر منهم في جاهليتهم ، أكبر الأثر في إقبالهم على الإسلام ، وفي هذا عبره لنا جميعًا فيما ينبغي سلوكه مع غير المسلمين في دعوتنا لهم .
    3 - لقد كان ما جُبل عليه  من جميل الأخلاق ، وكريم الخصال ، من صدقٍ في الوعد ، وأداءٍ للأمانة ، ووفاء بالعهد ، سببًا لدخول كثير من النَّاس في الإسلام ، وفي هذا دروس للدعاة إلى الله في وجوب التحلي بأخلاق الإسلام الذي يدعون إليه ، ليكون ذلك أحرى في قبول دعوتهم .
    4 - في تواضعه  وبساطة عيشه ، دليلٌ على أنَّه لم يُرد الدُّنيا وزينتها وصدَّق بفعله دعوته للنَّاس إلى العمل للآخرة ، حيث كان أول العازفين عنها ، ولنا فيه الأسوة الحسنة .
    5 - مواقف النبي  وشجاعته في الحرب كانت سببًا في انتصار المسلمين على الكفَّار في مواطن كثيرة ، حيث كان يثبِّتُهم ويدعو لهُم ، ويُشاركهُم القتال ، فقويت بذلك قلوبهم ، مما جعلهم يفيئون إليه ، وهكذا ينبغي أن يكون القائد المسلم شجاعًا ، لا يخاف ولا يهاب .
    6 - كان النبي  لا يُريد العلو في الأرض ، ولا الإفساد فيها؛ يدلُّ لذلك تواضعه حال هزيمته للكفار ، فقد دخل مكة متخشعًا متواضعًا شاكرًا لله تعالى ، وفي هذا درسٌ عظيم لما ينبغي أن يكون عليه المسلم


    فلما اتجه النبي  لفتح مكة أصاب قريش ما أصابها من الرعب والخوف ، فتلقاه جمع منهم بالطريق وأسلموا قبل دخوله عليهم عنوةً ، منهم : أبو سفيان بن حرب في آخرين ، ففتح الله عليه ودخل مكة من أعلاها من جهة كداء ، خاشعًا شاكرًا يقرأ سورة الفتح يرجع قراءتها وهو على راحلته( ) .
    عن أبي هريرة  أن النبي  لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام وأبا عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على الخيل ، وقال : يا أبا هريرة اهتف بالأنصار ، قال : (( اسلكوا هذا الطريق فلا يشرفنَّ لكم أحد إلا أنمتموه )) ، فنادى مناد لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله  : (( من دخل دارًا فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن )) ، وعمد صناديد قريش ، فدخلوا الكعبة ، فغص بهم ، وطاف النبي  وصلى خلف المقام ، ثم أخذ بجنبي الباب ، فخرجوا فبايعوا النبي  على الإسلام .
    وفي رواية : ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب ، فقال : ما تقولون وما تظنون ؟ قالوا : نقول : ابن أخ وابن عم حليم رحيم ، قال : وقالوا ذلك ثلاثًا ، فقال رسول الله  : « أقول كما قال يوسف :  قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَومَ ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( ) )) .
    قال : فخرجُوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام(
    وفي رواية لابن إسحاق( ) ، قال : (( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ )) قالوا : خيرًا أخ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ .فقال : (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم )) . وفي رواية : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) . ولذا عرفوا في التاريخ بالطلقاء( ) .
    وهذا موقفٌ فريدٌ في التاريخ يدخل في مفاخر نبيِّنا الكريم  ، وأمَّتنا الإسلامية ؛ وبهذا فتح الدُّخول للناس في دين الله أفواجًا ، ووفدت عليه العرب فيما يُعرف بعام الوفود في السنة التاسعة من كل بلاد الجزيرة العربية ، وانتشر الدين الإسلامي في أرجائها( ) .
    3 - بره ووفاؤه بالعهود والمواثيق :
    الوفاء بالعهد من شيم الفضلاء ، وكرام النَّاس ، وقد كان  يبرُّ ويصلُ ذوي رحمه ، ويفي لهم بحقوقهم عليه . . حتى وإن كانوا مشركين ، وأخبر  أن حُسن العهد من الإيمان( ) ، ويفسر ذلك ما روت لنا أم المؤمنين عائشة من صنعه مع خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها - ، فقالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة - ولقد هَلَكَت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين - لما كنت أسمعه يذكرها ، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنَّة من قصب ، وإن كان ليذبح الشَّاةَ ثمَّ يهدي في خلتها منها( ) .
    وفي رواية : ما غرتُ على أحد من نساء النبي  ما غرتُ على خديجة ، وما رأيتها ، ولكن كان النبي  يُكثر ذكرها ، وربَّما ذبح الشَّاةَ ، ثم يُقطعها أعضاءً ثم يبعثُها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكُن في الدُّنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : (( إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ))( ) .
    وعن عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله  ، فعرف استئذان خديجة ، فارتاع لذلك فقال : (( اللهمَّ هالة )) قالت : فغرتُ ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين ، هلكت في الدَّهر ، قد أبدلك الله خيرًا منها( ) .
    وهذه المواقف تنبئ عن شخصية رسول الله  ووفائه العظيم ، لأمِّ المؤمنين خديجة التي آمنت به ، ووقفت معه تشدُّ أزره في دعوته ، وواسته بمالها ونفسها .
    ويمكن أن نلحظ بعض جوانب هذا الوفاء المؤثرة في مسيرته الدعوية للإسلام من خلال الصور التالية :
    الصورة الأولى : موقفه من قرابته المشركين .
    من أشهر مواقف بره ما حصل منه تجاه عمه أبي طالب ، إذ بقي عند رأسه وهو في النزع ، وهو يقوله له : (( يا عم ! قل : لا إله إلا الله كلمه أشهد لك بها عند الله )) . فلم يكتب الله له أن يموت على الإسلام .
    ومع هذا فقد قال : قال : (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك )) . فنُهي عن ذلك( ) .
    ومن ذلك موقفه من قرابته ودعوته لهم ، فعن أبي هريرة قال : لما أنزلت هذه الآية :  وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ( ) .
    دعا رسول الله  قريشًا ، فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ ، فقال : (( يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النَّار ، يا بني مرة بن كعب ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم ؛ أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار؛ فإنِّي لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلُّها ببلالها ))( ) .
    قوله : (( سأبلها ببلالها )) : يعني أصلها بصلتها الواجبة لها .
    الصورة الثانية : موقفه من القتيلين العامريين :
    عن أنس  أن النبي  أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم النبي  بسبعين من الأنصار قال أنس كنا نسميهم القراء يحطبون بالنهار ويصلون بالليل فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم فقنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان( ) .
    وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب إخوتهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا : والله إن لهذه الطير لشأنًا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم فإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ما ترى ؟ قال : أرى أن نلحق برسول الله  فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري : لكني ما كنت أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لتخبرني عنه الرجال ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأُخِذَ عمرو بن أمية أسيرًا ، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه ، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه ، وكان للعامريين عقد مع رسول الله  وجوار ، فلم يعلم به عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين نزلا : من أنتما ؟ قالا : من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه أصاب بهما ثأره من بني عامر لما أصابوا من أصحاب رسول الله  ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله  أخبره الخبر ، فقال رسول الله  : (( لئن قتلت قتيلين لأدينهما ))( ) .
    ولم يكن معه  ما يدي به هذين القتيلن ، فذهب لبني النضير يستعينهم في ذلك ، وكان بينهم وبين المسلمين عهد ، ولكنهم أرادوا الغدر به وقتله ، فأتاه الوحي ، فانقلب إلى المدينة ، وناجزهم بعد ذلك وأجلاهم من المدينة ، ونص على هذا البخاري بقوله : باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله  إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله  . قال الزهري عن عروة : كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد( ) .
    وهذه صورة عظيمة من صور الوفاء ، حيث يُصاب رسول الله  في أصحابه ، ثم يسعى لدية قتيلين مقترضًا من يهود ، فلا يمهل ولا يعطل ولا يُرجئ ، بل يسعى ليقترض في دفع الدية ، وفاءً بما التزم - وليتصور كيف تحاك ضده وهو في أنبل طرق الوفاء ، وصدق التعاقد - ففي هذا الوقت كان اليهود يُبيتون الغدر به ، وبينه وبينهم عهد وميثاق .
    يا لله للوفاء العجيب المتسامي إلى القمة ، ولنقض العهد في أبشع صور الخسة والجبن والحقارة( ) .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 10:32 am